الاثنين، يوليو 04، 2016
الصديقان اللذان يطعمان غرابا لـ معاوية الرواحي
الثلاثاء، ديسمبر 20، 2011
قراءة في لعنة الأمكنة للقاص الخطّاب المزروعي

* نورالدين بقالي
عرفت القصة في عُمان نمواً مطرداً من جراء تحولات البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفتها البلاد منذ فجر النهضة الحديثة، والتطور الحثيث ذي الإيقاع السريع منذ سبعينات القرن الماضي إلى الآن في كل المجالات .
ومن خلال مطالعتنا لمجموعة الأديب الخطّاب المزروعي " لعنة الأمكنة " نتيه في عالم من الرُّؤَى يمتزج فيها الواقع بالخيال والوهم بالحقيقة ، وتنهض الحياة متثائبة خارج أسوار الموت لتنفض عنها غبار العبث بينما تظل الأمكنة رغم اللعنة التي وصفها بها الكاتب هي الدفء السرمدي العالق في خبايا الذاكرة .
الرؤية المأساوية للكون عند الخطّاب
" كنت أبني بيتاً صغيراً من الرمال ليسكنه النمل ، ولما نمت قليلاً رأيت رجالاً يلبسون ثياباً سوداء يحنطوني في ذلك البيت ، فهرولت تجاهه وعندما صحوت لأهدمه لم أجده ، بكيت ... ومن ثم بصقت على العالم " (صفحة 13 )
في هذه الإحالة الزمنية الضاربة في الماضي من خلال الفعل الناقص " كنتُ" يعود بنا الكاتب إلى الطفولة السعيدة المليئة بالحب والبراءة ، حيث يبني الطفل مسكناً للنمل ، يغفو سرعان ما يرى رجالاً بثياب سوداء يحنطونه في ذلك البيت . هكذا يتدخل الكبار في عالم الطفولة فيفسدون كل شيء ويعبثون بسعادة الأطفال الأبرياء ، يفزع الطفل ويحاول أن يهدم بيت النمل السعيد لأن الكبار حولوه إلى قبر ، لكن الطفل لا يجده ، فيبكي كل شيء يتحول إلى عدم ، ومن خلال هذا العدم تنبثق الكراهية على الوجود برمته فيقف الطفل ليبصق على العالم ، ومن خلال ارتباط المكان بالموت في مخيلة الكاتب يتولد لديه الإحساس بالفراغ والضياع ، ومن ثم يتحول الكون إلى شيء تافه لا قيمة له لما يحمله من يتم الظلم والقهر والاستبداد .
يستحضر الكاتب الموروث الثقافي: عروة بن الورد/امريء القيس/مالك بن الريب؛ في دعوة للبكاء على القرن التافه ، غضب عارم تفجّره الكلمات وصراع مرير مع الموت وضده من أجل البقاء ، في شكل فني تتداخل فيه الخاطرة بالمذكرات لتشكل نسيجاً نثرياً أدبياً بقالب يترجم تجربة الكاتب وعلاقته بالأمكنة ورؤيته القاتمة للوجود ، ذلك أن العناصر الفنية للقصة لم يعد يهتم بها كتاب القصة الحديثة كالخطاب المزروعي وغيره ، ممن يحاولون التجريب ، لأن شروط القصة القصيرة لم تعد ملزمة بل يتم تجاوزها بحسب درجة وعي الكاتب بالذات والموضوع ووحدة العلاقة بينهما
الفضاء والأمكنة
إن استعراض معجم الخطاب المزروعي في مجموعته القصصية كفيل أن يسلط الضوء على ماهية أمكنته وفضاءاته :
( البيت – المراعي – التلة – المقبرة – اللحد عظام – الموت – المرارة – الدماء المتخثرة – رقصة الموت – الرمال – الصحراء الغراب – الكتابة على الجدران )
من خلال هذا الحشد من الكلمات التي تحملها دلالة سلبية تعكس حالة الكاتب النفسية وإحساسه بالموجودات من حواليه في محاولة يائسة للخروج من ضجيج الموت إلى صمت الحياة ، نتبين أهمية الأمكنة في مخيلة الكاتب ويصبح الزمن ذا وتيرة ممتدة من العصر الجاهلي إلى الآن ، وهي وتيرة استبدادية تسلطية عبّر عنها الأديب بلغة ساخطة وأسلوب مثير يعكس في مجمله الواقع المرير الذي تعيشه الأمة العربية .
من هنا تأتي ( لعنة الأمكنة ) لتحمل وعياً قومياً وبعداً حضارياً وإنسانياً ، ولتبرز على الساحة الأدبية العمانية كاتباً يمكن اعتباره من جيل الرواد في كتابة القصة الحديثة في عُمان .
ـــــــــــــــــــــــ
* كاتب وشاعر من المغرب
الأربعاء، أكتوبر 19، 2011
لعنة الأمكنة .. تساؤلات الحكاية ـــ محمد سيف الرحبي

يخاتل الخطاب المزروعي قاريء مجموعته القصصية "لعنة الأمكنة" بما أسماه "استهداء" أخذه من فيتولد جومبروفتش حيث يقول: "أنا لم أبرم أي عقد مع أحد لكي أكتب جيدا"، كأنه يطالب قارئه بأن الكتابة الجيدة ليست واجبة، وما تحتضنه مجموعته من نصوص قصصية قابلة لذلك الاحتمال، إن كان القارئ لا تعجبه (أو غير معني) بالتفاصيل الملتقطة بين دفتي المجموعة الصادرة عن دار نينوى.
يجمع المزروعي ملامح نصوص مجموعته في الإهداء حيث يقدمه إلى فاطمة "التي تشبه نوبات البكاء في زمن القحط" مستدركا باعتذار عن فجيعة سبّبها لها مردّها إلى "جنون اللحظة لا أكثر"، فاستوت النصوص على تلال من البكاء والفجيعة والجنون، مبتدأها "خطوات لزجة للفرجة"، وخبرها "هدوء بغيض".. وبين المبتدأ والخبر عناوين دالة على فجيعة وحزن وجنون، متوزع الموت على تفاصيل الحكايات إن لم يسكن العنوان الدال في أغلب الحالات عليها، فـ "أنا" السارد، و"ذات" المخاطب متصفة في مجمل النصوص بالجنون، والحالة العامة لأجواء الحكايات فاقدة لرشدها.
ينطلق الخطاب المزروعي في أغلب نصوص مجموعته "لعنة الأمكنة" من حالة فراغ هائلة تتحد فيها ذات المؤلف مع ذوات الشخوص التي تبدو واحدة تتحدث بصوت واحد فغالب عنها التنوع، والمعاناة مع الوجود والموجودات، فهي في مواجهة دائمة مع الفراغ المتسع أمامها، ولا وراءه إلا الموت كمخرج دائم من الفجيعة والإحساس المرير بتذكر راحلين، أخذهم الموت، أوالفراق "بعيدا عن الكون التافه".
الوجود من حول الكاتب / السارد منغلق على بكائيات وفقد، فالمؤلف هو البطل الدائم في جميع النصوص، بحيث يقرأ المرء هذه المجموعة ويرى الكاتب فاردا أرديته كبطل أوحد، هو بطل الحكايات، أو من يتحدث إليها، أو يتحدث باسمها، أو يرصد علاقاته معها بواسطة تجليات تأملية، تتلبسها شخوص معينة، كالحلاج (مثلا) في نص لعنة الأمكنة الحامل عنوان المجموعة.
يعبّر نص لعبة حمقاء بوضوح تام عن همينة المؤلف كبطل أوحد في نصوص مجموعته، هي تساؤله "ماذا عساي أكتب؟ .. ولمن؟" راصدا تداعيات فكرة البحث عن مكتوب يلقمه فم اللعبة المجنونة (الجنون دائما)، يقع في حيرته، أن يكتب عن نفسه، أو عن فيروز (كاشتغال أدمنه كثيرون من الأدباء العرب) ، منطلقا من فكرة لا جدوى الوجود / الكتابة، يرى "الكتابة هي الحل الأخير حيل كل هذا الخراب الذي يحاصره، ويرى أنه في تلك اللعبة مكره لا بطل.
هذا الاندماج (القسري) لم يكن في صالح القص الذي نأى بعيدا لصالح الشعرية التي يطلبها المزروعي كهاجس دائم في أغلب النصوص، وأسميها نصوصا لأنها تميل إلى الشعرية أكثر مما يحتمله الحدث الذي يكاد غائبا إلا ما يعيد القارئ إلى بعض اللفتات القليلة، والقول أنها مجموعة قصصية لا شعرية.. وإن كتبت بنفس القصيدة، معنى لا مبنى، وفي الأدب المعاصر فإن تماهي الأجناس أصبح مشجبة تعلق عليها الذاتيات والخواطر وما لا اسم له.
من الأمثلة على ذلك ما نجده في مطلع نص ذاكرة الموت الشائخة إذ تأتي الجملة: "أيها الغائب الحاضر.. ما هكذا تتوادع النوارس... يتمرغ الحزن في جسدي" (ص75)، يحاول في هذا النص الدفاع عن اندفاعه للكتابة بالشعر بنفيه كونه شاعرا، وكتابته بلحن موجع:
- لماذا شعرك دائما يحمل عبق الحزن والألم؟
- لأني لست شاعرا، بل تابوتيا؟
هذا التبرير قد لا يلغي الشاعرية، لكنه يؤكد حقا على "تابوتية" تنال منها سائر قصص المجموعة (أو نصوصها).
وفي قصة قرية النقّاق وما حدث لها يتدخل بشكل مباشر ليشير إلينا بين قوسين إلى أن النقاق الذي يدعي أنه ضاجع الكثيرات من بنات القرية موضحا (بالمناسبة إنه عنّين، ولكن لديه أكثر من أربعة وخمسين ما بين ذكر وأنثى)،
القصة كتقنية فنية (واضحة المبنى الساردة للأحداث) غائمة في نصوص لعنة الخطاب المزروعي، هي لعنات يعاني منها، وأخرى يصبّها على ظهر وجوده، حيث الغياب المتكرر، الفقد بطريقة أو بأخرى، لا تخلو مجموعة من مفردات متساوقة بين الموت والجنون، والعناوين المفجوعة جارّة لعناتها، مستفيدة من قاموس يميل دوما لصالح لفافات السجائر (المتكررة كاللعنات) والبصاق والقيء والديدان وعظام الأموات.
مع ذات تعاني الوحدة والتأزم الداخلي تراوح نصوص المجموعة "لعنة الأمكنة" لعبتها، فاتحة أبواب الأسئلة عن الحزن والوجود، وعبثية الحياة، وعن الذين رحلوا، الموت / المقبرة / القبر/ الأموات.. المفردات المحفزة لإطلاق مزيد من الألم للكائن المتوحد في عالمه، الضائق به حد التيه، يعبّر عنها نص القبو، وهو يمهد له بجملة للمسرحي سعد الله ونوس "من الظلام جئت وإلى الظلام أعود"، يبدأ من رؤية غائمة لما تسير عليه أحداث النص الذي بين يديه، تاركا للصور تتناسل من بعضها البعض بحيث لا يقبض على مفصل ما ليتركه يقود ذاته بدلا من تشعبه ذات اليمين وذات اليسار، تبدأ الفكرة بخاطرة / حديث ذات وتشرذمها، وتمضي في تداعيات التهاوي، للوصول إلى حافة النهاية بذات المنتهى الذي يؤول إليه الإنسان في خاتمة سيره على جسر الحياة.
التشبيهات في نصوص المجموعة منحازة إلى عالم "اللعنات"، لعنات الأمكنة.. والأزمنة أيضا، منها: كأني فراشة توشك أن تخرج من شرنقتها (ص19) ، كجناح نورس (ص19)، كذئب تلقى رصاصة قاتلة (ص23)، كذئب جريح تكالبت عليه كلاب قذرة، تخرج أصواتا من مؤخراتها (ص39).
تستدعي النصوص شخصيات تبني عليها سلالم خروجها من حالات الوحدة والإحساس المقيت باللاجدوى، النص الأول "خطوات لزجة للفرجة" يدور في حلقات مفرغة نرى فيها جمال عبدالناصر وجنائزيات باخ ورواية الأم لمكسيم غوركي وامرؤ القيس، في منولوجات تخاطب الكائنات بكراهية أقرب إلى الخطاب المباشر منها للغة القصة القصيرة، وبها مقطع عنونه المزروعي بـ"الرمق الأخير" دال على أنه ليس معنيا بالكلمة التي وضعها على غلاف المجموعة حيث أوضح أنها "قصص" فالمقطع هو نص شعري نثري:
أسافر بخطواتي المجنونة
أخطها على جمجمة الرمال
أنقلها مرة أخرى
لداخل خيمة هذا الليل. (ص15).
وفي نصوص أخرى يعمد المزروعي إلى تحميل نصوصه التي أرادها قصصية مسئولية تقديم شاعريته، كما يتضح جليا في نص مجدلية الزمن الآتي: "يا حزني الجميل اعتقني، اجعلني انطلق إلى السهول الخضراء، اتركني أمرغ وجهي في المراعي الخضراء، أقلب وجهي في نورها.. كل شيء يتقد في سمائك المكفهرة وأنا أرسم جنوني على وجهك" (ص26)، حتى اللحظات المرتبطة بالحب والألوان الخضراء لا تخرج عن دائرة الحزن والسماء المكفهرة وصولا إلى.. الجنون.
في نص "عندما سرت في جنازتي" يتخذ من فكرة صغيرة مدخلا لتقديم نص شعري، وضعه على لسان أبي سعيد، محمّلا "النص القصصي" أمانة نقل الصور الشعرية / شاعرية القاص أولا وأخيرا.
يفتتح نص "دموع وأشياء أخرى" بجمل شعرية مباشرة "أيها الفرح المثمر أينع، متى يأتي فصل حصادك يثمل هذا القلب المتدحرج على الوديان؟" (ص49) لكن تبقى لغة القص في هذا النص أكثر وضوحا، خروجا إلى حكاية الآخر، مسعود الذي يبيع وسيلة الفرجة الوحيدة في البيت ليشتري خروف العيد فيحقق فرحة لأطفاله الأربعة، يقع الكاتب في فخ فني حينما يدخل اسم حمدان بدلا من مسعود وهو يصف دخول الأب على أطفاله النائمين بانتظار العشاء، وفي آخر كلمات القصة يقدم الكاتب صفة مسعود، حيث الدموع التي "لا تنزل أبدا من عينه الوحيدة" (ص53)..
النصوص مبنية على حلم، يعرض تفاصيل الحكاية (أو رؤية الكاتب للوجود) في حزمة من الكوابيس المرتبطة بالموت والمجهول، في نص "قرية النّقّاق وما حدث لها" يبدأ بجملة "وأنا في الحلم كنت أحلم"(ص31)، يتدخل أحيانا ليعلق على مشاهد الحلم / الكابوس، مع نزوعه إلى إلباس المشهد غرائبية التشبيه كقوله: "كأني أتنفس في رحم عجوز تحتضر" (ص42).. البطل الهارب إلى البحر، المثخن بأحلامه وكوابيسه التي تلقيها براكين الوحدة إلى ذاكرته، المشغولة بالأمس، المتعبة باليوم.
يتضح اشتغال الخطاب المزروعي على النص الديني، لكن ليس استغراقا فيه، بل مرورا هامشيا معني بالأسماء، في نص مجدلية الزمن الآتي نجد مريم التي تحب عيسى، استدعاء للغائب، هي ليست مجدلية الزمن الماضي (السيدة العذراء مريم أم المسيح عليه السلام)، بل هي للآتي، المتداخلة مع صوت الداخل، المسحورة، يجمع مريم (أم المسيح) بمريمه أن عيسى ليس ابنا لها (مثلما يقول الماضي) لكنه الحبيب (المعذب) كما يريد الزمن الآتي، يخاطبها "أيتها العابرة بطهارتها الممزقة في زمن المشردين" (ص29).
في اللحظات التي يقترب فيها الخطاب المزروعي من القصة يشكل عالما جميلا وحالما، كمقطع من قصة "النقاق" حيث "الريحان" يسرد كيف نبت بطل الحكاية بعد ملايين السنين من الطوفان زهرة ريحان، متذكرا قريته الجميلة، تشمّها ابنته، إنما لا بد للحزن أن يطلّ.
وهناك جلنار، دلالة البراءة / الطفولة، من النص الأول يخاطبها الكاتب "جلنار حبيبتي، بيتي الكئيب الرائع" ص16)، وهي الطفلة في قصة هذا الليل ما أطوله التي أهداها لغسان كنفاني، كأنها ابنة الشهيد، انتظاره الابدي يشبه انتظر جلنار لأبيها الذي أخذوه وعذبوه.
في قصة سفر الجنون اللامتناهي تتحول الحكاية إلى حوار، مع الذات / الحبيبة / الأخرى أيا كانت صفتها، الأنا الحاضرة دوما، أنا الكاتب تعرض رؤاها عن العالم دون الحاجة إلى القصّ بالضرورة، تشكيل للقدرة الشعرية للغة، وهي تقدم نفسها ضمن حوارية الشخوص وعلاقاتهم المتشابكة مع الكون من حولهم..
- هيا ارقصي بحروفك الخرافية.
- سنطري الروح بنشوة الموت والخلود الأزلى ونحن نركب سحابة بيضاء بين غياهب الوجود.
- تململي أكثر، اجرحيني ببكائك الندي.
- لنرحل إلى الشمس، هيا يا حبيبتي، إنها لعبة الفراشة، لعبة الاحتراق الأبدي، لعبة الموت المندثر في سديم الأبدية.
- لن تنتهي هذياناتي أبدا يا حبيبي إلا عندما تكتمل اللعبة التي ورطتني فيها. (ص47).
يدس المزروعي بضعة أسطر تسبق حواريته الشعرية (كهذه) وينهيها بسطرين يختلفان عنها يأتي البحر كرديف للموت ينهي الحكاية، والحوارية تكاد تتشابه في نص نورسة البحر، الحوار السوفساطائي الباحث عن معنى أو لا معنى لما له معنى، يمتزج الواقعي بالحلمي في هذه القصة أو في غيرها من القصص، إنما يعبر عنه بشكل واضح حين يقول "تختلط الأشياء المكانية بالميتافيزيقية" مقررا حالته بوضوح تام "كانت الروح تبحث عن كتف تأوي إليه". (ص58)، ومن الحوار بين ذاتين (أو ذات واحدة) يصل المشهد في نهائيته إلى غرائبيته الساعية دوما إلى إحداث الدهشة حيث أنها "صرخت حتى تحولت نورسة طارت مع السرب" (ص60).
من العادي يحاول المزروعي أن يزرع في حقول الكتابة ما هو غير عادي، القول أن التفاصيل الصغيرة في حياتنا قابلة لتكون حروفا، يحيلها كاتب ما إلى تنويعات كتابية ليس ضروريا القول أن لها اسمها محددا، أو أنها تشترط عقدا مع القاريء لكتابة جيدة، مثلما قال الاستهداء الأول.
المصدر:
*مجلة نزوى- العدد(68) أكتوبر 2011م
الأحد، أكتوبر 25، 2009
الخطّاب المزروعي في لعنة الأمكنة
لا شك أن القصة القصيرة كفنٍ أدبي حديث بالنسبة للبيئة الثقافية العمانية أصبح يشكل ملمحا
بارزا في الخريطة الثقافية في السلطنة بشكل عام، فعلى سبيل المثال ما بين 2000- 2006 نلاحظ تزايد كتاب القصة القصيرة، وتزايد الإصدارات القصصية بجانب تكرر إصدار أكثر من مجموعة للقاص الواحد، وكذلك الفعاليات الثقافية والملتقيات المكرسة للفن القصصي، بجانب استمرار اسماء لها تميزها وحضورها في الكتابة القصصية، وذلك ما يشكل تراكما كميا ونوعيا ما يعطي التجربة غناها وتنوعها في نفس الوقت.
وتعد مجموعة «لعنة الأمكنة» للقاص الخطاب المزروعي، والصادرة عن دار ميريت المصرية العام 2003م، الإصدار الأول له، وتأخذ المجموعة من المكان منحى لعنوانها كما تأخذه اشتغالا جماليا عليه من خلال نصوصها الخمسة عشر، بجانب ذلك هناك مجاميع قصصية عمانية اتخذت من المكان او الدلالات الحافة به عناوين لها أيضا ونحن نشير إلى هذه الملاحظة هنا بشكل عابر لنشير إلى أن ذلك الانشغال يشكل بعدا جماليا في التجربة القصصية العمانية على وجه العموم، والورقة تحاول الإطلالة على الكائن وهو يتحرك داخل الأمكنة الملعونة(والقاص يشير في أول المجموعة أن نصوصها كتبت في أمكنة سديمية متفرقة بين عامي 1997-2000).
العنوان بحد ذاته يشكل متكأ محوريا لكسر حدة التوقع والدهشة، وستنطلق القراءة معتمدة على النصوص بالدرجة الأولى من خلال العنوان ذاته، فاللعنة هذه الكلمة الصادمة والتي من أحد معانيها الإِبْعادُ والطَّرْد من الخير(١)، والمكان وجمعه أمكنة، (نشير هنا إلى المكان المتخيل في القصص وليس الواقعي حتما) ومكن من التمكين أي الثبات والإقامة في المكان، والجوهري في كتابه الصحاح(٢) فيقسم المكان إلى نوعين هما: (المكان الخاص والمكان المشترك: أما المكان الخاص فهو الحيز الذي يشغله الجسم بمقداره أما الثاني فهو الحيز الذي تشغله جملة أجسام وحينما توجد أجسام يوجد مكان وحينما لا توجد أجسام لا يوجد مكان) فالقراءة تتطلع إلى رصد النفي والثبات والنظر في حيز البطل في المكان وحيز الموجودات الأخرى. لكن برغم قسوة المكان وحدة النفي والطرد التي قد تتبدى من خلال العنوان إلا أن المجموعة حافلة بالموجودات التي تسعى للاستمرارية بين نقطتي جذب (النفي والثبات) ومحاولة البحث عن أفق وإعطاء معنى آخر للثبات في المكان من خلال رسم فضاء قابل لاحتضان الحيزين المتناقضين (حيز الأنا- حيز الآخر) فالأنا وإن نفيت وأبعدت إلا أنها تحاول من خلال النص أن تخلق بديلا لها ولو نبتة ريحان أو الكتابة أو الصديق أو الابنة مثلا. فلا بد من آخر للذات وإن نفاها وأبعدها من حيزها المكاني فذلك لا يبرر قسوته وقسوة المكان بل يدينه ويرجمه مع المكان.
× في القصة الأولى التي تطالعنا بعنوانها(خطوات لزجة للفرجة) وهو النص الافتتاحي للمجموعة، الخطو حركة في المكان رغم لزوجة النفي وقسوته، فالبيت المشرع بابه والمحاط بالهدوء الذي يثير الترقب والتوجس، هذا الهدوء لا يخترقه إلا:
-صراخ الأطفال الذين يلعبون بين بيوت مأهولة (مشغولة الحيز)
- ثغاء الشياه التي رجعت من المرعى في التلة المجاورة في التلة المجاورة ص١١
فالبعيد مسكون بالآخرين بينما البيت هنا لا يشي بنفس الحركة التي توجد هناك فحيز البيت معزول ومنفي عن حيز البيوت المجاورة، فالموجودات هنا وإن كانت (حديقة المنزل- كلب ضال تبدو عليه علامات المرض- صوت صنبور الماء غير محكم الإغلاق) وهي أيضا خارج البيت لا تستطيع إقناعنا بوجود حياة ممكنة، فالبيت يبدو طاردا بينما البيوت المجاورة قادرة على صنع حركة للحياة(صراخ- ثغاء) ما يعني تجدد الحياة المعتادة للبشر واستمراريتها في البيوت المجاورة وتوقفها هنا، برغم ذلك يندفع الراوي آمرا بطل القصة بالدخول عبر الدرجات الثلاث ومواجهة موجودات البيت- الذي كانت كائنات تسكن حيزه والآن فارغ منها (صورة جمال عبد الناصر- ومكتبة قديمة تأثرت كتبها بفعل الرطوبة الحرارة- طاولة- كرسي خشبي- أوراق -صحف - منفضة - كأس فارغة- أقلام مبعثرة) فهذه الموجودات التي تأخذ الثبات والإقامة في مقابل غياب سكان البيت، لتشكل الموجودات استمرارا ضد النفي والطرد، ليتحول البيت وموجوداته إلى ذاكرة، إي تحيل إلى أنّ من كان هنا هو إنسان مثقف ولكنه غائب عن المكان، فكأن البطل يأخذ مكانه بالتدريج حسب جريان تدفق القصة، ذلك ما يغري البطل ليندفع إلى الغرفة الوحيدة في البيت والتي تقع بين المطبخ وغرفة الدرج، ثمة موسيقى تنبعث من داخل الغرفة مما يزيد من احتمال وجود أحد لكنه يكتشف (الطاولة والكرسي باردين كجثتين) ولكنهما يشكلان حيزا لموجودين، بجانب وجود مصباح القراءة الجامد في مكانه، (في الدرج الأول أوراق عبارة عن مذكرات كتبت على شكل نصوص وخواطر يومية) ص12، هنا دخول ثالث إلى عوالم البيت، فإذا كنا لاحظنا في المقاطع السابقة تمثيل الموجودات المبعثرة أمام ناظري البطل فهنا لا بد من فتح أحد أدراج طاولة القراءة وهو أولها لنجد ما ينوب في الحضور فالمذكرات تدوين ومحاولة لترك أثر في المكان،وما يزيد من إغراء قراءتها تزويدها برسوم سريالية بالحبر الصيني، وهذا يكشف بعضا من هوية شاغل حيز والغائب حتما،وعنوان المذكرات(مذكرات صعلوك من الربع الخالي) يحيل إلى ذاكرة قد تبدو للوهلة بعيدة عن فضاء القصة، ولكنها منبثة في فضاء المذكرات، وليس بعيدا عن ما تحيل إليه كلمتا (الصعلوك- الربع الخالي) فالمذكرات تستحضر الغائب من خلال الكتابة وتزيح لفترة وجود البطل، والراوي معا.
تنقلنا المذكرات إلى عوالم صاحبها الذي سنكتشف أنه من كان يسكن البيت، وتشكل المذكرات الحيز البديل والمستمر للذات المنفية(وهي هنا صاحب المذكرات) فهي خروج من حيز متحرك غير ثابت وطارد في نفس الوقت إلى حيز كتابي مقروء وقادر على الاستمرار والانتقال، فالمذكرات تكشف فداحة اللعنة التي حلّت بصاحبها «كنت أبني بيتا صغيرا من الرمال ليسكنه النمل، ولما نمتُ قليلا رأيت رجالا يلبسون ثيابا سوداء يحنطونني في ذلك البيت، فهرولت تجاهه، وعندما صحوت لأهدمه لم أجده، بكيت.......)ص٣١.
كما يدعونا (صاحب المذكرات) إلى الهرب من الرمال بعد أن أدرك تورطه فيها، ليتورط بطل القصة أكثر بسبب الخطوات اللزجة للفرجة، حيث يتورط بالدخول إلى من باب المدخل المفتوح على مصراعيه ليدخل إلى الصالة - أي إلى داخل البيت- فينتقل من حيز ليدخل في آخر، ليفتح باب الغرفة ليفتح بعد ذلك الدرج ليدرك بعد ذك تورطه نتيجة انتقاله من حيز إلى آخر ليدرك أنه كان في حيز منفي باكمله، فاللعنة والنفي يتوالدان ويتناسلان بشكل غرائبي داخل البيت، ليدرك البطل ورطته الكبرى وهي الوقوع في لزوجة النفي والطرد، بعد قراءته للمذكرات ورأيت الجسد المسجى على السرير بعينيه الزجاجيتين، فليس أمامه سوى صنع استمراريته -إنْ- أمكنه ذلك بترك بصمته الكتابية على الجدار وتسجيل مروره بالمكان، فلكي تزيح ستارة متهالكة عن نافذة وحيدة في غرفة وحيدة في بيت منفي جرتك إليه محاولتك للدخول إلى عوالم لزوجة الفرجة، لا بد أن تصادف ذلك، فالأمكنة المنفية تصنع نفيها وطردها الخاص بها بمقدار النفي والطرد الممارس عليها.
في قصة القبو، المقسمة إلى ثلاثة مقاطع قصصية هي:- النهاية- القبو- البداية، نلاحظ الانتقال من حيز الرحم إلى فضاء الحياة والوجود، الخروج من حيز ضيق إلى حيز واسع فسيح- كما يفترض منه-.
«أشعلت لفافة بيضاء كجناح النورس، حملتني إلى مرافئ مدن جميلة» ص23، فالبطل يحاول إيجاد حيز آخر جديد ولو كان متوهما ومصطنعا من خلال إشعال اللفافة، بدلا من الحيز الضيق الذي تورط به، أو عن طريق تمرير اليد على جدران البيوت القديمة بالرغم من الخدوش التي تحدثها الحصيّات الناتئة من الجدران، إلا أنّ ذلك ينقل البطل إلى عوالم شعرية جميلة، تستطيع أن تفك عن الكائن حصار المكان وقسوته.
«سمعت صوت أبي يلاحقني: ما عليك الملعون.... الكلب» ص23.
خروج محمد من البيت يقابله ذهابه إلى المقبرة، والمعروف أن الانتقال إلى المقبرة لا يتم إلا عن طريق الموت، ولكنا نجد أن النفي تعبير رمزي عن الموت ومحاولة من الأب لإخراج ابنه من الحيز المشترك لجميع الكائنات وإلجائه بالذهاب إلى المقبرة.
بعد ذلك يقول محمد«صرخت: اقتلني... لا أحب هذه الحياة الملعونة رجع الصدى قاسيا ضبابيا، عوت الكلاب من ناحية الجبل، وكأن تلك المخلوقات تسخر مني»ص23. وإذا عدنا إلى الأسطر السابقة ندرك مدى تشبيه الأب لابنه بالكلب، مع أن الابن يظل وحيدا في المقبرة في حين أن الكلاب المشبه بها تمتلك القدرة على النباح والسخرية منه، ولها أيضا مكان تلجأ إليه (الجبل) وتعيش في مجموعة ضمن حيز مكاني محدد ومعروف.
نلاحظ أثناء وجود محمد مطرودا خارج البيت وجوده بالقرب من مزرعة(زوينة) محمد خرج من حيز ولم يرجع إليه، بينما زوينة تحاول أن ترجع دجاجتها وديكها اللذين لم يرجعا، فزوينة تحاول إرجاعهما إلى حيزهما المعتاد فزوينه تمثل منطقة جذب، بينما (خديجة) أم محمد لم تستطع فعل شيء حيال ابنها المطرود ولم تستطع حماية ابنها من قسوة زوجها، وبالرغم من ذلك يسعى البطل إلى إيجاد بديل مستمر له وهو هنا صديقه (حمدان) «حملني صوت حمدان إلى مدن جميلة، صرت أحلّق كفراشة تهوى اللعب بالنار..» ص25.
فالغناء محاولة للخروج من قسوة المكان ونفيه، وهذه القسوة التي تتشكل أخيرا في تغييب محمد بقتله، وإبعاده إلى المقبرة إبعادا أبديا، ليستمر حمدان في محاولة الخروج من القبو الذي لم يستطع محمد الخروج منه.
×مجدلية الزمن الآتي: يشكل تقارب بيتي مريم وعيسى، تقاربا مكانيا وروحيا تجسدا لعلاقة الحب بينهما، لكن الطرد والنفي يتشكل هنا عن طريق موت مريم البشع، والموت يتم بالموت بين الحيزين المكانيين المتقاربين«كان رأسها قد ارتطم بالموت بجدار بيتينا قبل أن ينفجر على صخرة ملعونة تقبع بين الجدارين، وتناثر رأسها كالبطيخة الحمراء» ص32.
نكتشف أن هناك صخرة تكسر وهم التقارب المكاني، كما نجد أن هناك صخرة بشرية أخرى تحطم تقارب الحيزين الروحيين وهو هنا عم مريم، الذي سحرها ممارسا بذلك دور الطارد، إلا أن حب عيسى لها وهيامه وهواجسه، يشكل استمرارا ومقاومة للتخلص من صدمة فقد مريم، من خلال الإصرار على انتظارها ولو بالحلم.
يتحول البطل في «قرية النقاق وما حدث لها» إلى زهرة ريحان لتستمر ابنته التي نجت من الطوفان تشم أريجها كل صباح(تخرج رأسها من الشباك لتشمني) ص٣٤،فالبطل يدخل إلى الحلم(الحلم بمدينة اللذة المحمولة)- الولوج إلى المحل- الانتقال إلى القرية- قيادة باص الأجرة- منطقة تقع على ارتفاع يسمح بمشاهد القرية بأكملها- القرية- الدخول في الطوفان- الرجوع إلى القرية- قتل البطل بالمسدس وتلاشيه إلى دخان- التحول إلى زهرة ريحان،«وأنا أبكي من الداخل فهي لا تعلم أن أباها أصبح زهرة ريحان في حديقة منزلهم ستذبل يوما إن لم تُجزّ كما حدث للقرية» ص٣٤.
الهوامش
١- لسان العرب، ابن منظور، مادة (ل.ع.ن) الموسوعة الشعرية. الإصدار الثالث 2003م، المجمع الثقافي، أبو ظبي.
٢ - كاصد، الدكتور سلمان، عالم النص دراسة بنيوية في الأساليب السردية (فؤاد التكرلي نموذجا)، ط ١ 2003. دار الكندي.اربد. الأردن.