الأحد، ديسمبر 04، 2011

إنثيابات ليلة البارحة


لا أعلم لماذا أستدعي ألم الحرف.. ، هل مباهات بالوجع المتلازم له ، وهو ينثاب هذه الليلة على رأسي المشطور... ؟

يخرج هذا الكلام كفعل جرح؛ يصل العمق الملتهب بأسئلة متلازمة بشيء لا أعلمه ؛ لكنه موجود في مكان ما ، من الحيز الضيق الذي أقع عليه من المجرة ..

أعلمُ أنكَ مجنون ، كما أنني أعرف جيداً أن في داخلكَ صعلوك لا يتوانى عن غزواته المتكررة ؛ المحكوم عليها بالفشل في عالم يحكمه ؛ القتلة وسماسرة الأعراض ...

هذا لا يهمني الآن كثيراً ، فلقد سئمتُ اللعبة المستهلكة والمتكررة على أذن الوجع .

******

إنثياب برج الأسد

أقشعر جسدي وأنا أتابع ذلك الطفل ودموعه تنثاب حتى شفتيه الرقيقتين ؛ والحق يقال لم يقشعر جسدي له بالضبط ، بل تذكرتُ عينيها اللوزيتين وقوس عينيها .. لأغرق في لجة الألم الأول، كانت عيناي تبحلقان في الحائط الذي تملأه الصورة ، لكني أبداً لم أكن معنياً بما أشاهده على الإطلاق .. سوى عينيها !.

هرولتُ إلى جهاز الحاسوب ، وأنا ألج غرفتي المستعارة ، وكأني أُهِم أن أفتح قبر به جرم ما ، رغم ما سيحدثه الفعل من دمار شامل في الداخل ؛ لم أتوانى في ذلك ..

انبثق برج الأسد بخسارته المتعددة، من مجرته العظيمة ، حاملا نيزك منتحر ليستقر في قعر الروح!.

أخرجتُ من جيب دشداشتي ، المطوية التي ناولتني إياها شابة؛ قد مسح الزمن في وجهها حقارته. فردتُها على السرير، وأنا أقرأ صك غفران ذنب الليلة الفائته .. حاولت أن أبكي بشكل يريحني ، لكن قطران الألم الكالح يغطي العصفور المنتفض، وكأن لعبة الوجود تستكثر عليّ حتى البكاء .. يالها من مرارة تحسها في مآقي أوردتك الممتلئة بدموع محتقنة .

كانت هناك عصفورة صغيرة مثلكِ تماماً ، غادرتْ العش .. ضلّت طريق العودة ، أنّبتها أمها كثيراً عندما اهتديتْ للرجوع ..

واصلتُ سرد الحكاية لكِ في سري لتنامي ,هناك حيث أنتِ لن تنامي على صدري هذه الليلة .. قلت: سأعابث القدر ، لأتصل .

رن الهاتف .. رن كثيراً ، ولا أحد يجيب!

إنثياب محارات الدم

استوقفني خبر في جريدة..

أُغتصِبتْ طفلة في إحدى الضواحي ، فما كان من قبيلتها إلا أن جندت أربعين من فحولها لاغتصاب طفلة عمرها ثماني سنوات من قبيلة المُغتَصِب لتنفيذ حكماً صدر من قاضي الفحول الأشداء يقضي بتحرير الطفلة من عذراويت براءتها !.

******

لا أعلم لماذا صوتكِ في البعد يأتيني جارحاً كارتطام نصل بعظم يابس؟!

- موت ديانا في حادث سير...

- وفاة نزار قباني..

- اغتيال أحمد ياسين..

لا تقسي عليّ بعصفور صوتكِ ، حتى لا تسقط ريشات الفرح التي أتأبطها.

بنات آوى

رأيت ليلة البارحة أن بنات آوى تقطّع أصابعي وتنهشني من كل مكان ، كنتُ أبكي وبعض الأحيان أصرخُ، أصرخُ وكأني في لجة ماء .. حلمتُ ليلتها أيضاً أنها سحبتني من بيتي إلى مكان لا أعلمه ...

وحتى لا أنسى لقد سكب شخصاً ما ؛ كان بلا وجه ، سكب على رأسي مادة لزجة (شممتها عندما أفقتُ من الحلم) رائحة سمك خنزة ، كنت سأتقيأ لو أكملتُ الحلم !.

أفقتُ وأنا أتصبب عرقاً ، قلت لعله : حلم من عمل الشيطان!

صرتُ أُرعَبُ كلما سمعتُ صوت ابن آوى قادم من ناحية الجبل .

آخر الليل ... آخر شئ

يمر علّي هذا الليل وحيداً ، بلا وتر ، تنثاب عليّ الوجوه من كل حدب وصوب ، وأنا في آخره أقلّب وجهي تارة ذات اليمين وتارة أخرى ذات الشمال؛ مخافة السقوط في غيبوبة الوجود وحتى لا يذهب وجهكِ مختفياً بذنبي الأبدي، تنثاب لكِ أنتِ في آخر الليل آخر الأشياء ... منذُ الطير الأول المعلّق في سماوات العذاب الزرقاء الملتهبة بشفق الطفولة، ليتني أستطيع أن أمد يدي لكِ وأمسح ذنوبي من وجهكِ النبوي!

ها أنا الآن واقف أرتشف حثالة حزني المتبقي لي في قاع المحارات ؛ المطرودة من جوف البحر الآثم ، لنقل أني أكفّر عن حزني المتبجح مرارة. ياااااه ما أقسى وجهكِ في البعد!

أحد اثنين هذا الألم المتبرزخ لا ثالث لهما، إما الرحيل المتعلثم أو القفز على وجه القمر في بقعة سراب تتمثل الماء المنوي المرمري المنساب براحة المكان السااااااااااكن.

موسيقى المحارات

هذا البعد التمثيلي الذي أفترضه ؛ لعبة تعلمتها لكي اَسِمُ الغياب به ، علمني إياها البحر ، وهو يرمى صدفاته على شواطئ بعيدة، فإن راوده الحنين لها ، جمعها ذات فجر وهي نائمة حتى تحدث موسيقى لقياها في داخلة الممتلئ وحشة ووحدة ؛ فهو يعيش وحيدا كأعمى ؛ كما شبهه بورخيس .

ليلة البارحة تذكرتكِ وابتسامتكِ الماكرة ، تطفو على مخيلّتي الممتلئة بالدهشة ، وأنا أتعجب مشاهدة للماكر ، الذي يخرج زفراته على هيئة نسمات بالغة النعومة، أحسستُ وكأن يد تمتد إلى وجهي لتنزيل ضنى المسافات من على جسدي المنهك والملتبس بالأمكنة والوجوه.

هذا اليوم أكملتُ "عابر سرير" من ثلاثية أحلام مستغانمي، وأنقضى معها عمري الزئبقي، مر سريعا باتجاه القاع،إنها معابثة الصُدف .

أكتب لكِ احتفالاً بهذا القاع المتضخم في أوردتي ، والمتجه إلى المخيف . هل أحداً ما ، يحتفل بتقدمه خطوة نحو السقوط؟ إنها المحارات وموسيقاها الطافحة بالجنون ورمال الوجع الآتي ، إنها جلبة الموسيقى في داخلي ، تزعزعني ، تحرك كياني اللامستقر؛ في قاع الثعابين الوديعة ، التي كثيراً ما تقضم أصابعي في الأحلام ، أصابعي العازفة على نوتات الدهشة والجمال والجنون ، الطافحة بموسيقى المحارات .

ليس من مستقر أعلم ذلك .

هذه الليلة الجافة التفاصيل ، تأتي على السمع كسعال الفقراء ، في نهار يرشح الجوع على شفاههم الذابلة .

الأربعاء، نوفمبر 30، 2011

ما يحدث


نَهضْتُ مُنزعِجاً، بعدما أيقظني الصداعُ الذي يكادُ يفجِّرُ رأسي مِنْ أثرِ الخُمار.

اتجهتُ إلى المطبخِ، وأعددتُ كوبَ قهوةٍ ثقيلٍ حتى أزيحَ الوجعَ، تمشيّتُ متجهاً إلى الشُرفةِ المُطلةِ على بُستانِ النخيل؛ لأشمَّ كمية َأوكسجين متمنياً أنْ يخُفَ الصداعُ.

جلستُ على الكرسي وأنا اَنظرُ إلى البستانِ الذي يقعُ أسفلَ التلةِ مباشرةً التي يعتليها ضريحُ قيدِ الأرضِ.

ها أنا وحيدٌ ليس لدي أحدٌ أشاركه صداعَ رأسيَ الثقيلُ الذي بدأ ألمهُ يضغطُ على ناصيةِ الوجه لينزلَ الألمُ مباشرةً إلى عينيَّ، ضغطتُ بإصبعيَّ الإبهامِ والوسطى على مقدمةِ جمجمتي بشكلٍ متواصلٍ. عدّلتُ من جِلْستي على الكُرسي وأنا أناظرُ الضريحَ؛ ترى ما الذي يفعلهُ قيدُ الأرضِ في هذه اللحظةِ، هلْ مازال يقظاً ويعرفُ ما يحدُثْ؟

كيف يعرفُ وهو ميتٌ؟ جاءَ السؤالُ من داخلي الملتبسِ بأشياءَ قديمةٍ مُربكةٍ. حدثَ ذلك عندما كان عُمري ستَ سنواتٍ، وأنا مارُّ بجانبِ قبرِ جدي الميتِ منذ ثمانينَ عاماً، وقد دُفِنَت زَوْجَتُه بجانبه ، حقيقةً لا أعلمُ من ماتَ منهما أولاً وهل أوصيا بدفنهما بالقربِ من بعضهما وفي مكان منعزل؟ صادف ذلك وأنا أمرُّ بجانبِ القبرين أنْ وجدتُ عمي يُتمتمُ بشفتيه؛ وما كدتُ أمرُّ عنه حتى ناداني: تعال لماذا لا تسلم على جدك؟ اِرتبكتُ ..مَنْ جدي؟ هذا قبرُ جدك. قال وأشارَ إلى القبر. عندما تمرُّ في كل مرة بجانبه فقل: "السلامُ عليكم دارَ قومٍ آمنين ، أنتم السابقونَ ونحن اللاحقونَ".

لكِنَّ الفرقَ خمسونَ عاماً بينَ سنةِ ولادتي وموتُ جدي ، كيف سيعرِفُني؟

هل يعني هذا أن الأمواتَ يسمعونَ، ويعرفونَ ما يحدث، وإلا ما كذبَ عليّ عمي، فهو إمامُ مسجدٍ، ويُصلي باستمرارٍ، إذا لا بُدَ أنه لا يكذبُ. ولكنْ كيفَ سيعرفُ جدي عبدالله أني حفيدُه، وأُدُعى عبدالله وقد سُميتُ بذلك تيمناً به، فهو كما يصفه أبي قويٌّ وكريمٌ.

إذاً الجثةُ التي تقبعُ داخل القبر، وفوقها مئاتُ الأطنانٍ من التراب؛ والتي تعتلي التلةَ المقابلةِ لي؛ تعرفُ ما يحدث!

ارتشفتُ قطرةً من القهوةٍ وأخذتُ أمجُّها داخلَ فمي؛ فانتبهتُ إلى أنَّ الصُداعَ بدأَ بالتلاشي، وضعتُ الكوبَ على الطاولةِ الصغيرةِ ودخلتُ إلى المطبخ وأحضرتُ كأسِ ماءٍ، شربتُ نصفه ووضعتُ الكأسَ على الطاولة.

أطلقتُ ناظري للمشهدِ الذي أمامي بعدما جلستُ على الكرسي إلى البستان الذي يقع تحت ناظري مباشرة؛ جزيئاتٌ من أضواءِ أعمدةِ الشارعِ تتساقطُ على رؤوسِ نخيله، هبّتْ نسمةٌ باردةٌ اِقشعرَّ لها جِلْدُ زَنْدي نظراً لكوني لا أرتدي سِوى مَلابسَ النومِ.

كان البخارُ يتصاعدُ من فُرَضْ فلجِ الصايغي؛أخذتُ أشاهدُ البخارَ المتصاعدَ، أحسستُ بالدفِء يتسللُ إليّ، رُغمَ النسماتِ الباردةِ التي أخذتْ تتوالي مع طلوعِ الفجر، إذاً بإمكاننا أن نُحول الأشياءَ من خلالِ النظرِ إليها؛ إلى أجسادنا مِنْ مجردِ النظرِ لها والإيمانُ بأنها شيءٌ جميلٌ ورائعٌ سنُحِسُ بجزيئاتها، وبقيمتها الحقيقيةِ، ومكوناتها الفيزيائية. أليسَ هذا ما أشعرُ به على الأقل؟.

أخذتُ أنقلُ بصري بين الضريحِ ومنظرِ بخارِ الفلجْ..ياه.. ضريحُ قيدِ الأرضِ، وفلجُ الصايغي؛ أيضاً مَنْ صاغهُ... قيدُ الأرض؟

ولكن هل صحيحٌ أنه بناه بمساعدةِ الجنِ، بناهُ في ليلةٍ واحدةٍ؟ قلتُ: لا يُمكِنْ. قد يكونُ لديهم من القدراتِ أكثرَ من البشر، ولكن كيف استطاعَ قيدُ الأرضِ أن يأمرهم، وكيف توصلَ لإمرتهم؟

وجهتُّ أسئلتي باتجاه الضريحِ ثُمَ أغمضتُ عينيّ، وتركتُ جهازي السمعي وحده يعملُ بعد أن سحبتُ كميةً ضخمة ًمن الأوكسجين ...

أصواتُ كلابٍ،ضحكةُ امرأةٍ، أصواتٌ بعيدةٌ لبشرٍ، هديرُ محركِ سيارةٍ تمرُّ بشكلٍ سريعٍ، أصواتُ حشراتٍ، حفيفُ شجرٍ، رجلٌ يكحُّ، صوتُ ريحٍ ناعمةٍ، ضُلفة شباكٍ تصطدمُ بأخرى، أذانٌ، أذانٌ.. أذانٌ..أذانٌ..أذانٌ..أذانٌ..أذانْ .

· مقطعٌ من عملٍ سرديٍ طويل.

* نشر النص في ملحق أقاصي 30 نوفمبر 2011

http://www.eshabiba.com/default.aspx?selPg=907&page=30_11_2011_059.jpg

الثلاثاء، نوفمبر 29، 2011

الحُــــــــلُمْ






كان حُلُمي وأنَا صغيرٌ أنْ أصُبِحَ جُندياً، أحْمِلُ بُندقيةً أحْمي بها وطني، من أعداءٍ وهميينَ؛ كانُوا يَغْزُونني ليلاً، وأنا مستلقٍ في فراشي على سطحِ البيتِ.

كنتُ كلَّ ليلةٍ أُنُاظِرُ السماءَ ونُجومها المبعثرةِ في قبةِ الكونْ..حتى الآن يختلطُ عليَّ مشهدُ النجومِ، وأصواتُ الكلابِ الليليةِ، وهمهماتٌ غيرُ واضحةٍ، ورائحةُ الياسمينِ المنْثُورِ على فراشي المشبَّعِ بِنَدى الفجرِ، وصوتِ الُمؤَذِنْ.


*الأقصوصة التي تأهلت إلى نهائي مسابقة متحف الكلمة بمدريد في اسبانيا 2011م.

الاثنين، نوفمبر 28، 2011

نورسـة البحر





- أنت بذيء . قالت ، لتجرني إلى الكلام.

- ببذاءة هذا العالم . قلت.

يبكي الملعونون ، وهم يسرقون الدموع من مآقي الأطفال.

استمر السجال ، حتى تناثرت الرمال على الشواطئ ، بينما البحر غافل يداعب فخذيها ، فيتجرأ ليداعب سرتها .

كانت طيور بيضاء تحط بجانبنا تسرق الكلام منا ، وتهرب به إلى الجهات البعيدة.

- ما أجملكِ أيتها المجنونة !.

ضحكتْ ، حتى اعتصر القلب كالإسفنجة الوسخة، بينما الأطفال يغرسون أظافرهم في الرمال الساخنة الرطبة.

- أتكره العالم . قالت .

- بقدر ما أحبك . قلت .

مياه مالحة تدخل الحلق أبلعها ، بينما البحر يتعثر كطفل على أقدامها، سحابة سديمية تمر فوق رأسينا ، أقبضها بفكري الشارد ؛لأهرب عليها إلى مكان ناءٍ.

تختلط الأشياء المكانية بالميتافيزيقية، كانت الروح تبحث عن كهف تأوي إليه.. بينما الطيور البيضاء تراقب كل شئ .

لو يطويني هذا البحر وهو يتجعد كأم تغطي أبناءها خوفاً عليهم ..

- ألا زلت في عالمك ؟ . سألتني.

- ليس عالمي فرض عليّ .جاوبتها.

الجروح لم تزل تتدفق منها الدماء، موجة عاتية تهجم عليها ، ألم موجع بفعل الملح الذائب ، وكريات الدم الملوثة باللوثانات التي لا تنتهي اضطجعت أمامي، فأندلقا نهداها البضواني، نظرا إليّ بحلمتين متوردتين ، داعبهما الرمل السا خن فتحفزتا .

- قل شيئاً. قالت لي .

صمتْ .

- آه .. لو لم أكن ! لوتنثرني هذه الريح السموم.

- سيجيء الليل . قالت.

وجاء الليل ونحن ملتصقان .

- ماذا تتمنى في هذا الوقت ؟ سألتني وهي تناظر النجوم.

- اِسأليها .. . قلت.

- وما أدراها ..؟!

- هي تعرف كل شي ء .. ألا ترين أنها تسخر منا!.

ضحكت فتناثرت تلك النجوم وقفز البحر المتحفز وسحبها إلى بطنه المهترئ؛ ليضيء بها جوفه المظلم.

رائحة البحر بقيت عالقة في الذاكرة، يومها بكت السماء بدموع سوداء سخرتُ منها !.

- لنذهب سيبللنا المطر . قالت .

ضحكتُ .

- ما يضحكك ؟ . سألتني بسذاجة.

- إننا مبلولان. . من قبل .

يممت وجهي شطر البحر المجنون الذي يأخذ كل سفينة غصبا .

بدأ المد

غمرتنا المياه ؛ ونحن نضحك

أيها المجنون انهض ، فالبحر قادم إلينا . قالت .

تلاصقنا فتلاقت أرواحنا .

أخذ البحر يرتفع فهاج .

بدأ الموج صاخباً فيضيء وهو يدخل كهوفاً خفية في داخلنا معنكبة بفعل الزمن المعطوب، بدأ الموج يمتد ويتراجع.

يدخل فيخرج

يخرج فيدخل

وهكذا .

انطفأت آخر نجمة في داخلنا

وبدأ الجزر يسحبنا إلى داخل ذاتنا .

مددت يدي اليمنى أتحسسها، لم تكن هناك ، و كانت حفرتان صغيرتان رسمهما نهداها المكوران، بدأتُ في الظلام أبحث عنها والفجر يقترب رويداً…

سرقها مني !

سحبها هذا الغادر !

غافلتني وارتمت في حضنه، سكنت في أحشائه...

أيها المجنون…

أقلّب موجاته المجنونة وأنا أنفذ إلى الأعمق كان صوتها يتناءى عني على شكل تأوهات ..

بصقت عليه وأنا أصرخ:

- أكرهك .. أكرهك ، أيها البذيء…

زمجر في وجهي، وبصق بموجة حملتها ممددة على الرمل.

انكببت عليها ، وهي لا تحرك ساكناً أبداً ، فتجمعت عليّ أسراب النوارس فأضاءت الليل الذي قارب على الإنتهاء .

صرختُ حتى تحولتْ نورسة طارت مع السرب .

الأربعاء، نوفمبر 23، 2011

سماء



لكاتبه مجنونة (لا أعرفها)رمته في بريدي وهددني نصها حرفاً حرفاً...فوجدته أمامكم...


لحن الذكرى ينساب إلى أُذُن ليلي بدفءْ

ليخلقك روحا تنبض بالحياة في لحظتي تلك

و يجسدك بكامل حضورك الأنيق...

بوسامة مشاعرك..

وهندام ابتسامتك المهذب!

تـَتـَنَزْلَّ عليَّ من سماء ذاكرتي

وحيا يقرأ عليّ حَرف مقدس من إنجيل الحب قبل أن يُحَرّفه الغياب!

وأراك وملائكة حنانك تحفك

وأنت تنزل بوقار لتستقر على عرش قلبي!

/

أتعلم ما يصنعه حضورك المفاجيء بي?

و أي أنثى تسكنني حينها?

و كم ذاكرة أحتاج لأستحضر دهشتي بك?

أنتفض من عش صمتي

واستدعي لغتي لأتبرج بها في حضورك _الوهمي_

و يتلبسني شيطان الشوق

و يوسوس لنسياني حتى يحيده عن طريقه إليك!

و أرجع أنا للوراء ألف سنة ضوئية,

لألتقي بك في الحد الفاصل ما بيني وبين انتهائَك فيّ!

كل ذلك يحدث وسط ذهولي بالبعثرة

التي تحدثها فيّ كلما اخْتلستُ النظر إلى حنيني إليك,

وأشعر أني مسكونة بك..

بِجِن حُبكَ الآثم

فأُحَضِرُّني لجلسة 'زار' حتى أرقص فوق 'قلبي' لأستخرجك منه!

ولكن لأني مؤمنة بك بيقين..

أستغفر وأتوب عن كل محاولاتي الكافرة لاقتلاعك,

فأعود وأنا أَجُرّ تفاصيلك بخشوع!

وأغتسل من نهر جنتك المفقودة

وأتوجه لِقِبلتكَ فأُصلي ركعتيِ شوق تَقرُبا إليكْ,

علّك تُدخلني فردوسك بعطفك عليّ

لا بحبي العظيم لك!

< بعيدا عن الوهم> :

أتعلم..أنا مسرفة جدا بوفائي لك,

مُبذرة لمشاعري في سبيلك..

ألم تأن توبتي منك وإقلاعي عن معاصي حبكْ..

وخيانة دمعي لمحاجري سرا,

والعادة السرية التي أدمنتها في غيابك,

حينما كان يقتلني الحنين إليك أحتضن بقايا سيجارتك وأبكي!

أرأيت كم هو إسرافي مفرط فيك!

سأكتفي منك,

وأعود إلى رشدي

وأتوب منك توبة نصوحا

وأُقْلِعُ عن تبذير عاطفتي من أجلك,

لأن الله لا يحب المبذرين!

خطوات لزجة للفرجه

باب البيت مفتوح على مصراعيه ، هدوء يخترقه صراخ الأطفال الذين يلعبون بين البيوت المجاورة ، وثغاء الشياه التي رجعت من المراعي في التلة المجاورة للمقبرة .

كان في حديقة المنزل صوت لصنبور ماء غير محكم الإغلاق ، وكلب ضال يربض بين الشجيرات تبدو عليه علامات المرض . ثلاث درجات لا بد أن تصعد حتى تدخل الصالة ؛ فتواجهك صورة جمال عبد الناصر بابتسامة تثير الشك حواليك ؛ قد كتب تحتها في الإطار نفسه: زعيم الأمة العربية ، أسفلها مباشرة مكتبة قديمة تحوي على مجلدات إمحت من على جلدها أسماء مؤلفيها ، وأخرى تمزقت ؛ بفعل الرطوبة والحرارة ( أو ربما بفعل كثرة استعمالها ) .

في الزاوية الأخرى كانت هناك طاولة وكرسي خشبي ؛ على الطاولة : أوراق كثيرة ، صحف ، منفضة ممتلئة بأعقاب سجائر المارلبورو الحمراء ، كأس فارغة ، أقلام مبعثرة بين الأوراق ؛ بشكل عبثي ، كتاب قديم اصفرت أوراقه وقد كتب على جلده بخط كوفي :( بدائع الزهور في وقائع الدهور ) ، وأربعة كتب أخرى إثنان مجلدان ، الأول ( الأيام ) لطه حسين ، والثاني عليه صورة تشي غيفارا ومكتوب تحت الصورة ( مذكرات غيفارا ) ، الإثنان الآخران ( زوربا ) لكزانتزاكيس ، و(الأحمر والأسود ) لستندال .

عندما تغامر قليلاً وتتجه إلى الغرفة الوحيدة في البيت التي تقع بين المطبخ وغرفة الدرج ؛ ثمة موسيقى خافتة تنبعث من الداخل ؛ عندما تقف على بعد خطوة واحدة عن الباب ؛ تتبين أن تلك الموسيقى هي (جنائزيات باخ) بهدوء أدفع الباب لأنه غير مغلق . خزانة الملابس على يمينك ، وأمامك مباشرة مكتب صغير عبارة عن طاولة وكرسي ( من الحديد ) لا تلمسهما لأنهما باردين كجثتين . على الطاولة مصباح قراءة . في الدُرج الأول ،أوراق عبارة عن مذكرات كتبت على شكل نصوص وخواطر يوميه .

تقول المذكرات ( مزودة برسوم سريالية ، بالحبر الصيني ) والمعنونة بـ :

( مذكرات صعلوك من الربع الخالي )

*خطوة ملعونة

وأنا أثب على عناكب رأسي التي باتت تبني لها شباكاً لتطيح به نهاراً، تعثرت بالزمن ... وهو يسحبني إلى مكان بعيد، ليلقي بي على قارعة هذا العالم ..

اركضوا يا أحبائي… هذه الرمال ستأكلكم ، ستلعقكم مناقير الغربان، ها ها… تصوروا هل تلعق الغربان بمناقيرها؟!.

وأنا في هذا الليل الذي أعبر فيه على جناح بعوضه، يخيل لي أني أضاجع نفسي، ما دلالة ذلك؟

اركضوا فالرمل أمامكم والرمل خلفكم.

كنت أبني بيتاً صغيراً من الرمال ليسكنه النمل، ولما نمت قليلاً رأيت رجالا يلبسون ثياباً سوداء يحنطونني في ذلك البيت، فهرولت تجاهه وعندما صحوت لأهدمه لم أجده، بكيت… ومن ثم بصقت على العالم.

*خطوة أخرى … بعيداً عن الكون التافه

يا غراب ..

يا أسود..

يا لحدا ما !

هذا الكلام لن تفهموه أبداً، لأنكم لا تضاجعون الوحوش ولا تأكلون مع الكواسر.

نامي يا حبيبتي وإن لم تشتهي النوم فاسكري!

لص أنا! هذا نص آه، أنا لست لصاً، أنا أصرخ في هذا الفضاء.

لقد سرقوا حبيبتي ، سرقوها!

وأنا أشاكس الشمس عند طلوعها، أرسم ظلاً لإنسان صار يحترق ، هنا لا أملك إلا الرمل وأصابعي وبقايا العظام، بنات آوى تصرخ، تصرخ ربما تتألم تصوروا إن ماتت ؟آه.. أنا أموت كتلك الحيوانات، اقتلني يا الله ،أنا لست كافراً .. ، لكني لا أحتمل السخرية، من أنا حتى أتحداك..؟ وأنا لا شي لديك فلماذا تتركني في هذا الربع المجنون؟!

اركضوا فالرمل أمامكم ، لا ..بل خلفكم. خلفكم ..أمامكم ،وخلفكم وعن يمينكم وعن شمالكم …

أتعرفون ذا القروح ؟

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل…

لا تقفوا ؟ لا تبكوا؟ لا تركعوا .. !

أنا الإنسان الملعون؟ المحتوف إلى هذا السطح؟

لا تركعوا اُصرخوا… اُصرخوا.. !!!.

*لم يبق شيء سوى الاعتراف

وأنا أرسم على صدري ببقايا عظام لطائر خانته جناحاه؛ صورة لقبيلتنا التي رمتني كالجرو الجرب في هذه الرمال الحارقة…

تعالوا جميعكم :… يا ابن الورد! تعالوا وأنت يا ابن الريب، قفوا جانباً ابكوا على أطلال القرن التافه .

تافهون كلكم ، أنا الصعلوك الذي.. قتلوه، تركوه يموت .

*تحد غير منطقي

لا لن أموت، قررت أن لا أموت، سـأشاكسكم، سأخرج من تحت العشب، سأقفز مع العصافير في الصباح الباكر، سيشاهدونني عند الغروب، أخرج لهم لساني...

أتضحك يا تافه، أتسخر مني. .

أنا لست من خصي أطفالكم! فقط يغريني في هذا الوجود لون الخمرة في القنينة!

سأصلي الآن، سأتيمم، سأغسل وجهي بهذا الرمل الطاهر ، أتعلمون لماذا هو طاهر؟ لأنه بعيد عن الأقذار والنجسين أمثالكم ! .

اركضوا لا تقفوا فالرمل أمامكم والرمل خلفكم.

- أريد أن أبعث برسالة إلى أمي :

فقط لا تبكي فأنا حزين والحمد لله ! و قبلاتك الطاهرة تصلني عند صلاة الفجر، سلمي لي على أصدقائي الميتين الذين دفنتهم منذ سنوات. قبلي عني الريحانة التي أمام بيتنا ، لا تتركيها وحيدة - كما أنا متروك هنا وحيدا - لا تتركيها تبكي... قبلاتي حبيبتي الطاهرة.

موتوا وإن لم تشتهوا الموت فاسكروا

لماذا لا تموتون؟ ! .

كان قلبي يرتجف من كثرة المرارة، التي تملأه سينفجر، سيروي هذه الرمال بدماء حمراء قانية ، كانت تغني نشيد الحزن.. لهذه الرمال .

سأقدم طلباً آخر، أن أموت في الليل!.

اقبروا كل التافهين الذين يكتبون ما يسمونه شعراً، لا يحاولون ذلك ، … ابتعدوا .. اجمعوا أعضاءكم . أنتم قردة، لا تفقهون شيئا من هذا الشيء العظيم.

هيا يا رمال ارقصي معي رقصة الموت، موتي.. موتي يا رمال، فأنا سأكتفي بالجبال، سآكل التراب ، أشرب السعال ..!.

يا غراب اِفقأ عيني، اِشرب دمي، فقط لأحمل قطرة من البحر اليابس

هيا اُرقصي يا رمال، رقصة الموتى .

وداعا لهذا الليل الظالم !

سيمفونية عظيمة، اسمعوا صفير الريح تحت إبطي، ستكون واضحة عندما تدخل الريح إلى عظامي، بعدما تنخر فيّ، ستأكلها الديدان، هذا إذا قبلت ذلك، وأنا أعلم أن الديدان لن تأكل شيئا من جسدي لأنه سيأكلها….

حبيبتي أتعرفين من أين أكتب هذه المذكرات؟

أكتبها من أجمل بقعة في هذا الكون ،بقعة على هذا الوجود لا أحد يستطيع أن يصلها أبداً ..

هنا في هذا الربع المجنون !

أمارس جنوني اللذيذ، وأنا أمضي بجنوني ، أسافر إلى مجرات عظيمة، إلى مجرة درب التبانة، فأرجع أميبيا بدائية، تعيش ولا تعرف لماذا هذه الأميبيا تعيش؟ قد ترسم حياة أخرى.

تبا لشعركِ الأشعث، أنا لا أحب النساء أبداً ، لا أحبهن أبداً، لا يساوين لدي شيئاً

*الرمق الأخير

أسافر بخطواتي المجنونة

أخطها على جمجمة الرمال

أنقلها مرة أخرى

لداخل خيمة هذا الليل

يحملني غراب يلقيني على وجهي

غيبوبة أخرى أسافر بها على هذه الرمال

وداعا يا جنون !

هذا كل ما أملك أقوله

سنلتقي بعد قليل

سنحزم حقائبنا السوداء بعد الرحيل

سنمتطي صهوة الصهيل

خطوة أخرى جريئة تحملني إلى قلبي ..

يبكي، ينفجر

أحبك حبيبتي ،ملعونة هذه الحياة تقتلني لتخلقني من جديد………………………وداعاً.

*خاتمة جميلة ملعونة – مرة أخرى

يا قلبي وأنت تتكسر .. وهج الرمال الحارقة تقتل أجمل شيء في هذا الوجود، تحمل الدماء المتخثرة في الأوردة.. دماء القبيلة. تجتمع الكواسر على جسدي، توزعني على مرافيء هذه الحياة أضحية جميلة، ولكن لحمها مر ، يقولون ذلك لأن صاحبها كان يقرض الشعر ولهذا فهو ملعون وخارج عن القبيلة ..!.

اركضوا فالرمل أمامكم والبحر خلفكم

جلنار حبيبتي، بيتي الكئيب الرائع ، صديقي الميت على فراشه المغرور بموته، لا تبكوا ها أنا قادم، فقط خطواتي بطيئة، لكن أنا أعلم أنها تحمل موتي البطيء، تتركني منبطحاً على سطح الرمال الذهبية، وداعاً يا قلبي الحزين..

* م ل ا ح ظ ة..

مذكرات عثر عليها.. برجلي غراب ميت على الرمال- رمال الربع الخالي وقد وجدت مكتوبه بدماء سوداء متخثرة على رمال صفراء دون تحمل أية مسئولية عما ورد فيها من تبرم وهذيان.

ستحس بعدما تنتهي من قراءة تلك الأوراق بإرهاق نفسي ، يظهر أنها وليدة حالة نفسيه عصيبة ..، أسفل المذكرات كتاب لونه أحمر ( الأم ) لمكسيم جوركي، وبضعت أقلام وممحاة وأوراق مسطرة ومذكرات صفراء صغيرة ، أغلق هذا الدرج ؛ لا تحاول أن تفتح الدرج الذي يليه ، أفتح الدرج الأخير ، أوراق متراكمة ما أن تحاول أن تنتشلها من الدرج حتى تتناثر بين يديك ، بفعل " الرمة " التي غزت كل شيء ...من الأفضل أن تغلقها .

أعلى السرير سترى صورة لمارسيل بروست ( مرسومة ) ، على يسار الصورة مكتوب على الجدار بخط رديء :

لا تمر من هنا ... فالزمن سيأكلك ، وإن تعذر هو عن ذلك ، لا تخف . سيتولى الأمر كل من حولك كمن يحمل شعلة في دهليز ؛ فيتوه ، فإما أن يختنق بدخانها ، وإما تحترق ملابسه ؛ إن لم يحترق هو .

إنسان مر من هنا ( قبلك )

سوف تتوجس الخوف في داخلك ؛ بعد أن تقرأ ما كتب ، ولكن اتجه إلى النافذة ، واسحب الستارة المتهالكة برفق . لا تلتفت جهة السرير ..! ، وإلا انغرزت في قلبك نظرات إنسان مسجى.. بعينين زجاجيتين. يعرف قبلك ما سيؤول إليه حالك ؟! في هذه اللحظة لن تملك إلا شيئاً واحداً هو أن تكتب على الجدار .. جملتك الأخيرة . هذا إن كان في الزمن من متسع ؟! .